السيد محمد حسين فضل الله

59

من وحي القرآن

القرآن يناقش أفكار الانحراف العقيدي وتتنوع الأساليب في الحديث عن الانحراف في مسألة العبادة ، فيجري تصوير مواقف بعض المخلوقات الروحانية كالملائكة الذين كان المشركون يقصدونهم بالعبادة ، فيوجه اللَّه السؤال إليهم عن طبيعة موقعهم في هذه الدائرة العبادية ، ويكون الجواب الطبيعي أنهم ليسوا في هذا الموقع ، في ما يرونه من أنفسهم من إخلاصهم للّه ، ومن خلال إحساسهم بأنهم عباده الذين يعيشون في ولاية اللَّه ورعايته لهم في كل أمورهم ، فلا قيمة لأحد ، مهما كانت مشاعره تجاههم ، ومهما كان إخلاصه لهم ، أمام اللَّه ، فلا يقبلون أن يضعوا أنفسهم في موقع المعبود ، ولا يقبلون من أحد أن يضعهم في هذا الموقع ، وتظهر هذه الحقيقة في هذا الحوار الإلهيّ مع الملائكة . وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً العابدين والمعبودين في يوم القيامة ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ هل توافقونهم على هذا النهج ، وهل ترضيكم هذه العبادة لكم من دون اللَّه ؟ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ إنك - أنت - يا ربنا خالقنا ورازقنا وراعينا ومالك كل أمورنا الصغيرة والكبيرة ، فليس لنا من الأمر إلّا ما قضيت ولا من الخير إلا ما أعطيت ، فهل يمكن أن نفكر - لحظة - بأن يجعلنا أحد من هؤلاء الناس أولياء لهم من دونك ، بأن ننصرهم في ما يدعوننا إليه ، وأن نشفع لهم في ما يشفّعوننا به ، فما ذا نملك لهؤلاء من نصرة وشفاعة ؟ ! إننا نرفض ذلك كله ، من موقع عبوديتنا وعبوديتهم لك بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ وهم يشعرون أنهم ملائكة ، فيعبدونهم خوفا منهم ، ورغبة في اتقاء شرورهم ، في ما يعتقدونه بهم من قدرات خارقة ، وعلم بالغيب أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ وقد قيل ، في تفسير الآية ، إن المراد أنهم كانوا يطيعون الجن في تزيينهم لهم عبادة الملائكة وغيرهم من دون اللَّه .